البدر للتربية والتعليم في الجزائر

البدر للتربية والتعليم في الجزائر

منتدى لكل ما يتعلق بالتربية والتعليم

/مرحبا بكم في منتديات البدر للتربية والتعليم في الجزائر/
لتحميل الملفات اضغط على رابط التحميل ثم اضغط على (SKIP AD) في يمين الصفحة من الأعلى تظهر لك صفحة التحميل التي تريد/

    المقدمة الطللية بين العصرين الجاهلي والعباسي

    شاطر

    omarako81

    عدد المساهمات : 4
    نقاط : 10
    تاريخ التسجيل : 28/11/2010

    المقدمة الطللية بين العصرين الجاهلي والعباسي

    مُساهمة  omarako81 في الجمعة ديسمبر 03, 2010 5:45 pm

    المقدمة الطللية بين العصرين الجاهلي والعباسي

    مقدمة
    الحمد لله الذي خلقني عربيا، فمنحني فرصة تعرف هذه اللغة العظيمة، فنلت شرف الحديث بها، ومن ثم دراستها، ومحاولتي الغوص في أعماق بحرها. إن هذه اللغة المقدسة العظيمة مثلها كأي شيء مقدس، فهي ليست حكراً على أحد أو ملكاً لأحد، ولكن حرمتها أعظم ، وهي لمن يردها أكرم، وإن الذود عنها جهاد مقدس، والساكت عن الدفاع عنها شيطان أخرس، وهي الكنز الذي لا يبخس، و الطهارة التي لا تُرجَس.
    أما بعد: فلقد اختلطت المفاهيم، وشوهت المصطلحات، وأصبح القابض على لغته وتراثه وأصالته، كالقابض على جمر، ومن المؤسف القول: أنه أصبح على العربي الدفاع عن لسانه فوق ترابه، وفي عقر داره. لقد بلغ السيل الزبى، وحطم الغزو الثقافي الغربي مفاهيمنا الأصيلة، واستبدلها بمفاهيمه الدخيلة، حتى أنَّ أدبنا العربي جف نبعه، وبدأ ينهل من منابع معكرة ماؤها، وتركنا إجادة البيان، وأجدنا التقليد بل وصيَّرنا الغرب تبعا له، ولثقافته وأدبه.
    إن ما دفعني لاختيار هذا البحث هو تمييز الخبيث من الطيب، وإعادة المصطلحات إلى نصابها الحق، فالتطور يختلف عن التبعية المنمقة، إذ أن الأول نتاج الأصالة، والثانية نتاج التقليد والحداثة، وشتان بين من ينهض بتراثه ليصنع مستقبله، وبين من يتنكر لتاريخه ويبحث عن منابع غريبة عن أرضه وواقعه، ويريد أن يطبق تجربة شعوب لسانها ليس كلساننا، ونهضتها قامت على أنقاض نهضتنا التليدة، وهي نقيض ثقافتنا. لذلك عمدت إلى عنواني هذا وهو: المقدمة الطللية بين العصر الجاهلي والعباسي، حيث أن التطور الذي حدث على هذه المقدمة هو نتيجة حتمية للنهضة التي حدثت في ذلك العصر، وبهذا نستطيع أن نقيّم حالنا الآن، فهل نحن نسير على درب من سبقنا من أجدادنا الأوائل في هذا المجال؟ أم نحن نركع أمام الغزو الثقافي الغربي؟ أوليس هناك فرق بين الغزو الثقافي والتبادل الثقافي؟ حقا إنه باب شائك على باحث هذا الزمان، بعد أن اختلطت مفاهيمه. لا أريد أن أصدر حكما، بل أضع لكم الحكم كله، ولكن يجب أولا التفريق بين التقدم والنهضة التي تكون جذورها منغرسة في تراثنا، ونضر غصنها في رحاب أصالتنا، فأورقت وأثمرت وبين حداثة هذا العصر التي قامت على التبعية الثقافية التي ترعرعت من نبع الغزو الثقافي المقيت، من هنا انطلقت لتبيان حقيقة التطور والتقدم والنهضة، من ثم تمييزها عن غيرها من حداثة جلبت لنا التعاسة وجعلتنا بلا مستقبل في سائر المجالات .
    لقد اتبعت في بحثي هذا المنهج الوصفي التحليلي، متخذا من التراث العربي - الذي لم تشبه شوائب هذا العصر – مادتي الخام، فرحلت إلى العصر الجاهلي، محللاً المقدمة الطللية، وبعدها أقمت موازنتي بين هذه المقدمة في ذلك العصر مع المقدمة في العصر العباسي، وقمت بدراسة ما طرأ عليها من تطور وتغيير، وكذلك الأسباب التي أدت إلى ذلك التطور، ومن اجل تحقيق تلك الغاية، قسَّمتُ بحثي إلى عدة أقسام هي: القسم الأول ويحتوي تعريفاً للمقدمة الطللية لغة واصطلاحاً، ومن ثم انتقلت إلى نموذجين من الشعر الجاهلي ومثلهما من الشعر العباسي، بعد أن بحثت في الشعوبية ومدى تأثيرها في الشعر العباسي، وبعدها أجريت موازنتي متبعها بدوافع التغيير الذي حدث على المقدمة في العصر العباسي.
    لقد ارتكزت على عدة مراجع مهمة لبحثي منها: لسان العرب لابن منظور، وهو معجم شامل كما أراه، و كتاب العصر العباسي الأول لشوقي ضيف، وديوان النابغة الذبياني، وشرح القصائد العشر للتبريزي، والعديد من المراجع الموثقة في البحث.
    وفي أثناء بحثي واجهتني صعوبات بعضها متوقعاً، وبعضها لم أكن أتوقعه منها: نقص في المراجع، وتضارب الآراء فيما بينها؛ إذ صار من العسير علي تغليب رأيٍ على آخر دون تمحيص ورجوعٍ إلى مصادر أخرى، والتأكد من مدى صدق بعض الأمور، مما دفعني إلى تحمل مشاق الوصول إلى مصادر كنت أرى أنني لست بحاجة لها.
    وأخيراً وليس آخراً لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من أمدني بآرائه وإن اختلفتُ معه- فالاختلاف بالرأي لا يفسدُ للود قضية- وكذلك أقدم شكري الجزيل لكل من ساعدني للوصول إلى العديد من المراجع.

    والله الموفق
    تمهيد
    قراءة معاصرة لتطور الشعر العربي في العصر الحديث
    إن ما دفعني لكتابة هذا العنوان هو واقع الشعر العربي في هذا العصر، فأين نحن؟ هل تطور الشعر في عصرنا؟ أم نحن كما في باقي مناحي الحياة، سوق استهلاكيٌ نعيش التبعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؟ هل الثقافة العربية تعيش التبادل الثقافي مع الثقافات الأخرى؟ ألا نحتاج لتقويم ما وصلنا إليه؟ هل نحن نسير نحو التقدم؟ هل نحن قادرون على أن نصنع نهضة ثقافية في أمتنا؟ أين نحن من العالم؟ هل نهجنا في التعليم صحيح؟ أم أننا نمارس التعليم المقلوب؟.
    أسئلة ومصطلحات تكاد تتشابك فتصنع عقداً، من دخلَ فيها وقع في شركٍ يصعب الخروج منه، وإذا ما نظرنا بعمق وجدنا المستقبل الأسوأ في انتظارنا، إنْ بقينا على هذه الحال، فهل نحن منتهون؟
    أرى أن الهزيمة التي نحياها قد أصابت كل مناحي الحياة ولم تبقِ لنا مكاناً إلا ودخلته بل وسيطرت عليه، فأصبحنا مهزومين ثقافياً، وإنَّ أسوأ أنواع التبعية هي التبعية الثقافية، فما هي هذه التبعية؟ لنعرج قليلاً على الواقع السياسي فنتعرف على التبعية السياسية والاقتصادية ومن ثم نصل إلى التبعية الثقافية.
    يعيش الوطن العربي حالة الشرذمة السياسية، فهو عبارة عن أكثر من عشرين كياناً سياسياً، كل منها لا يقوى على حماية نفسه من نفسه. لستُ فيلسوفاً، ولكن الغرب يصنع بهذه الكيانات كما يشاء، فيرميها بسهمٍ منها فيميتها، ويستبدلها متى يشاء، وهي لا تملك أن ترفض، أما على الجانب الاقتصادي فحدث ولا حرج، ينهبون خيراتنا ويجعلوننا سوقاً استهلاكياً لا نملك فيه إلا أن نستورد كل ما جاء من الغرب ونتقبله كما لو أننا نحن الذين صنعناه، ليس هذا فحسب بل يعتمدون في صناعتهم على مواد خام من بلادنا وينهبون أموالنا ويشترون عقولنا التي تصنع.
    هذه هي التبعية الاقتصادية، والتبعية الثقافية لا تخرج عنها في شيء سوى المواد الخام، فالمواد الخام في الثقافة ليست النفط والمعادن بل هي الفكر والأدب واللغة والعادات والتقاليد والمفاهيم، ونحن اليوم لا نملك سوى التقليد ، فالمثالية في العدالة في نظرنا هي الديمقراطية لا لعدالتها بل لأنَّ الغرب يقول ذلك، واللغة المفضلة لدينا للحديث مع العالم هي الإنجليزية أو الفرنسية وعلى طلابنا أن يتعلموها منذ الصغر لأنها لغة العلم أو لغة الغرب المتعلم، والمثقفون في بلادنا لكي يثبتوا ثقافتهم عليهم الحديث بكلمات أجنبية فلا يفهمها عامة الناس وبهذا يتميزون عن غيرهم، ومن يريد أن يقرأ الشعر فعليه أن يقرأ لشكسبير أولاً وطبعاً بقصد أن يقول أنه قرأ لشكسبير لا لكي يقارن بين شكسبير وشاعرٍ عربي مثلاً، وهذا هو الاتجاه المحدث في عصرنا، وإذا ما حاولتَ مع كثيرين منهم أن تعطيه نماذج عربية ضحك وسخر منك ووصمك بالتخلف، وأنا بكل فخر المتخلف الأول أمامهم، ما دام التخلف يعني عند هؤلاء هو التمسك بالأصالة. قد تتهمونني بالمغالاة، وقبل أن تقولوها عليكم قراءة ما قاله السيد أدونيس العرب في محاضرة له في مكتبة الاسكندرية فهو يقول:" نحن أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها واللغة العربية في سبيلها إلى الموت، وتابع: إن اللغة العربية تتراجع خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير على مختلف الأصعدة في المدارس والجامعات وحتى لو استمعت للشيوخ وخطباء المساجد المعنيين أكثر من غيرهم بالمحافظة على اللغة ستجد هذا التراجع، وستجد تقدما للهجات المحلية في الشعر والكتابة وهناك الآن عشرات المجلات والمهرجانات للشعر النبطي المنتشر في دول الخليج، وفي حديث مع وكالة الأنباء الألمانية أبدى أدونيس إعجابا بشعراء اللهجة المحلية المصرية".) )
    إذن السيد أدونيس يأتي إلينا من فرنسا ليقول لنا أن اللغة العربية في سبيلها إلى الموت، ولا تتأسفوا عليها فها هم شعراء اللهجات يقومون بدورٍ يغطي النقص الذي سيحدث عند موت اللغة العربية، وكأن السيد أدونيس جاء بحكم أنه عربي لمواساتنا في المصاب وهو موت العربية. وطبعاً لم يتحدث أدونيس عن سبب موت اللغة العربية في نظره، ولكنه بسرعة متناهية وضع البديل وهو اللهجات العامية، وكفاكم يا عرب شر الدفاع عن لغتكم ولا حاجة لإنقاذها، فالبديل موجود، وإن لم يعجبكم فخذوا أي لغة أخرى، هو لم يقل ذلك بصراحة، ولكن ما بين السطور يوحي بذلك؛ فهو لم يبك العربية بل وحتى لم يتباكَ ولو مجاملةً.
    من الذي طعن العربية من الخلف يا أدونيس فأصابها وجعل نورها يخبو؟ لن أجيبَ عن هذا السؤال، ولكنني متأكد من أن العربية تنزف، ولأنها خالدة فلن تموت. ولسنا بحاجة إلى عامية أدونيس ولهجاته التي نشتم منها رائحة الاستعمار بشتى أشكاله المرعبة.
    وماذا عن الشعر؟ إن العصر الحالي يشهد تمرداً يشبه الثورة في زخمه واندفاعه ولكنه ليس بثورة، فالشعر الحر أو شعر التفعيلة تمرد على عروض الخليل وقافية الشعر، دون إبداء أي سبب مقنع سوى انه من أصول غربية، فقد عرَّبَ رواده مصطلح :free virs الإنجليزي بعد أن درسوه عند الغرب وقلدوه، وساروا على نهج مصدريه لنا كما صدروا لنا أي سلعة أخرى، ولكي يسوغوه في أرض العرب اتخذوا من المواضيع التي تشغل بال المواطن العربي معانيهم، وفي ظل التراجع الثقافي على مستوى الأمة العربية نجح بسهولة، وكيف لا وكل شيء من الغرب يتصف بالجودة.
    إننا في محافلنا السياسية نتهم ونخون وندعي وننتشي بالمصطلحات، ولكننا في محافلنا الأدبية، لا نستطيع أن نخون أحد، لأننا لا نمتلك حرارة الدفاع عن ثقافتنا، فالشعر الحر اليوم يكاد يطغى على الشعر العمودي، فهو المنتصر في هذا الزمن كما أرى؛ وذلك لان الغرب هو المنتصر
    حقاً لقد هدم الغرب بيتنا الشعري كما هدَّم حصوننا وقلاعنا، وانتزع قافية الشعر كما انتزع من بين أيدينا ثقافتنا وهويتنا وانتماءنا، لهذا انتصر الشعر الحر.
    في زمن التبعية تشوه المصطلحات ونتيجة ذلك أصبحنا نقع في شرك التعليم المقلوب وهو: التعليم الذي يهدف إلى نزع هويتنا العربية وجعلنا مقلدين لثقافاتٍ أخرى. وهذا ما نحياه الآن بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.
    إن ما يثبت قولي سابقاً هو:
    1- أننا نتعلم معظم العلوم بلغاتٍ أجنبية ولا نحاول تعريبها؛ فالطب مثلاً الذي أخذه الغرب عن العرب يدرس الآن في الجامعات العربية بلغات أجنبية.
    2- أن معظم مصادر العلوم تؤخذ عن الغرب بما فيها مناهج النقد الأدبي التي نحاول تطبيقها على أدبنا العربي
    3- أن كل ما أتى به الغرب نجده مترجما حرفيا عندنا ونموذجاً يحتذى به، وفي الوقت نفسه تركنا كثيراً من تراثنا؛ فَمَنْ مِنْ شعراء اليوم يكتب موشحاً مثلاً، وأين هو الكاتب الذي يكتب لنا مقامة واحدة؟ ولكننا نجد مئات الكتاب يكتبون القصة القصيرة ومئات ممن يسمون بالشعراء يكتبون الشعر الحر.
    4- أن العلاقة بين الثقافات المختلفة تبنى عادة على التبادل الثقافي وهو: أن تأخذ الثقافات من بعضها البعض، وتعطي بعضها البعض، بينما نحن اليوم نلقي بثقافتنا جانباً ونأخذ من الثقافات الأخرى كل شيء ولا نعطيها أي شيء يذكر.
    5- أن مدارسنا تعلم اللغة الأجنبية وكأنها لغة محلية، ولا نجد دولة غربية تعلم تلاميذها من الصغر اللغة العربية. وهناك مدارس عربية تستثني اللغة العربية تماماً.
    نستنتج مما سبق أننا مع كل إشراقة شمس نبتعد عن أصالتنا وهويتنا وانتمائنا ونتقرب إلى ثقافاتٍ غريبة عن ترابنا ووطننا وعروبتنا.
    إن ما يثبت أن الاستعمار وراء ذلك كله الأسباب التالية :
    1- إنَّ اللغة العربية هي إحدى مقومات الوحدة العربية، ولا يختلف اثنان أن الغرب يحاول تمزيقنا ليسهل عليه افتراسنا؛ لهذا يحارب الاستعمار لغتنا بكل ما أوتي من قوة
    2- إن الثقافة العربية الأصيلة هي الاتجاه المضاد للثقافة الغربية الاستعمارية، وعماد الثقافة العربية هو اللغة العربية؛ فهي العدو الأول للغرب ويجب تحطيمها بنظره
    3- إن اللغة العربية هي التي تصل حاضرنا بماضينا فتذكرنا بأمجادنا فتدفعنا إلى السير نحوها، وهذا ما لا يروق للغرب
    4- إن مميزات اللغة العربية وسماتها تنهض بشعبها حيث أنَّ إحدى ميزاتها أنها اشتقاقية ومن يتعلمها يتعلم معظم العلوم بسهولة، فمثلاً لو دخلنا في علم الصرف قليلاً وجدنا أن كل كلمة على وزن فُعال هي اسم مرض مثل سُعال أو عُضال، أو صداع،أو كُساح. نجد أنفسنا أمام مصطلحاتٍ ليست بحاجة لعالم لكي يكتشفها كما يفعل الغرب الآن عندما يحاول تسمية مرض ما. ونستطيع القياس على كل العلوم، مما يسهل على العربي تعليمه للعلوم الأخرى فيظهر إبداعاً لا تستطيع اللغات الأخرى منحه لناطقيها
    5- إن سعة اللغة العربية تجعلها قادرة على استيعاب جميع العلوم وهذه الصفة أثبتها تاريخنا، وهذا يعني أن التزام العربي بلغته سيمكنه من النهضة لا محالة وهذا ما يدك الاستعمار في عقر داره
    نستنتج مما سبق أن لا نهضة للعرب بغير اللغة العربية وبناءً عليه فلا حضارة ولا تحرر قبل أن نتمسك بلغتنا وننهض بها ونتبع علوم أجدادنا الأوائل، مع الأخذ بالتطور البشري.
    إن المحافظة على عمود الشعر العربي أصبح هدفاً وطنياً تماماً كما هو التحرير، وإننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تكون الثقافة الثورية وسيلتها، والثقافة الثورية هي: تلك الثقافة التي تتخذ من التراث وتطويره والنهوض به هدفاً لتصنع المستقبل وتلقي جانباً بكل ما هو دخيل علينا، فتحارب التقليد الأعمى وتبرز هويتنا القومية، وتوحد لساننا وانتماءنا.
    ولا بد لهذه الثقافة قبل أن تصبح ثورية أن تتحلى بالدقة وأن تأخذ بعين الاعتبار أن القديم يجب تطويره ليلائم هذا العصر؛ فبدل أن يبكيَ الشاعر في مقدمته الطلل قد يبكي حباً كان في قرطبة أو حيفا، وبدل أن يتخذ من شكسبير ودانتي مادته الخام ومعانيه، عليه أن يتخذها من زهير وطرفة والمعري ويطورها ليجعلها تواكب العصر.
    وفي نهاية قراءتنا لواقعنا المعاصر نجد أن الموازنة بين التطور الذي حدث على الشعر في العصر العباسي يختلف كلياً عنه في عصرنا الحالي وذلك في الأمور التالية :
    1- أنَّ اللغة العربية كانت اللغة الأولى في العالم فكانت هي المسيطرة مما أكسبها صفة التوسع والانتشار حتى بين الشعوب غير العربية. بينما نحن الآن نعيش العكس تماماً.
    2- كانت اللغة العربية في العصر العباسي لغة العلم فكان من يتجه إلى العلم لا بد له من دراسة اللغة العربية حتى يصل إلى مبتغاه.
    3- كان التطور الشعري في العصر العباسي نتاج التطور الحضاري الذي عاشه أجدادنا حينذاك، بينما التغيير الذي نحياه في العصر الحالي هو نتيجة تقليدنا لتطور الواقع الغربي، وطبعاً هذا برأيي ما جعلنا نغرق في التعليم المقلوب ونفقد ثقافتنا العربية
    4- إن التغيُّر الذي نحياه الآن هو خروج عن ثقافتنا وأصالتنا وليس تطوراً وذلك:
    أ‌- لو كان تطوراً لتوصل إليه أجدادنا في عصر النهضة الذي كنا فيه، فنحن لم ننهض باللغة العربية اليوم كما نهض بها أجدادنا.
    ب‌- لو كان هذا التغيُّر تطوراً لكان في المجالات كافة؛ لأن التطور في اللغة يؤدي حتماً إلى تطور في سائر مناحي الحياة
    ت‌- إن ما يؤكد أنَّ الذي نحياه ليس تطوراً طبيعياً هو النتيجة التي وصلنا إليها والتي دفعت بأدونيس أن يعلن عن وفاة اللغة العربية وهذا يعني حتماً وفاة الأمة العربية.
    ث‌- إن تركنا اللغة العربية والثقافة العربية واستبدالها بلغات أجنبية ولهجات محلية يعني أننا نتراجع ولا نتقدم
    ج‌- إن نجاح الشعر الحر في أرض العرب وهو نبتة غير عربية، يعني أن الأرض العربية قد لُقِحَتْ بالثقافة الغربية؛ لذا فهذا التغيُّر لا بد وأنْ يكون لقيطاً ولا يرتبط بالثقافة العربية في شيء .
    ومن المؤكد أن هذا التغيُّر، قد أصاب جميع مناحي الحياة؛ لذلك نحن نفتقد اليوم إلى مكانة مرموقة بين الأمم، وإنَّ البحث في هذا الأمر يزحف بنا إلى واقعنا السياسي؛ لهذا أكتفي بما وصلتُ إليه تاركاً دراسة أسباب هذا الواقع للسياسيين المخلصين لهذه الأمة.

    أولاً:
    المقدمة الطللية
    المقدمة لغة:"قَدَمَهم يَقْدُمُهم قَدْماً وقُدوما وَقَدِمَهم، كلاهما: صار أمامهم.ويقال قدم فلان فلانا أي تقدمه، وقَدَم، بالفتح، يَقْدُم قدوما أي تقدم، ومقدِمة الجيش بكسر الدال: الذين يتقدمون الجيش. يقول الأعشى: هم ضربوا بالحنو حنو قراقرٍ مقدمة الهامرز حتى تولَّتِ".) (
    وفي معجم العين:" القُدمة والقَدَمُ: السابقة في الأمر، والقُدُم ضد الأخر بمنزلة قُبُلٍ ودُبُرٍ"( )
    الطلل لغة:الطّلُّ:"المطرُ الصِغار القطر الدائم وهو أرسخ أنواع المطر ندىً. والطَّلّ: اللبن وقالوا : ما بها طَلٌ ولا ناطلٌ أي ما بها لبنٌ ولا خمرٌ. والطلل ما شخص من آثار الديار، والرسم ما كان لاصقا بالأرض وقيل طلل كل شيء شخصه وجمع كل ذلك أطلالٌ وطلولٌ، والطلالة كالطلل؛ التهذيب، والإطلال: الإشراف على الشيء".( )
    المقدمة الطللية اصطلاحاً: هي تلك الأبيات الشعرية التي يستهل بها الشاعر قصيدته الشعرية بالوقوف على الأطلال، قبل أن يدخل في موضوع قصيدته وقد عرف هذا النمط من الشعر عند العرب منذ العصر الجاهلي . ومثالها قول النابغة الذبياني: ( )
    أمن ظلَّامة الـدِمن البوالي / بمرفض الحُبي إلى وُعـالِ
    فأمواه الـدنا فعويرصاتٍ / دوارس بعد أحياءٍ حِـلالِ
    تعاورها السواري والغوادي / وما تذري الرياح من الرمالِ
    إلى أن يقول:
    فلمّا أن رأيت الـدار قفرا / وخالف بال أهل الدار بال
    نهضتُ إلى عُذافِرةٍ صمـوتٍ / مُـذكَّرةٍ تَجِلُ عن الكِلالِ
    فداءٌ لِامرئٍ سارت إليهِ / بعذرةِ ربِها عمي وخالي
    ومن يعزف من النعمانِ سجلا / فليس كمن يُتيَّهُ في الضلالِ
    فباستثناء الأبيات الثلاثة الأخيرة سميت هذه المقدمة بالمقدمة الطللية فالنابغة يقف على أطلال الحبيبة باكيا الديار في هذه القصيدة، قبل أن يلج إلى موضوع قصيدته، التي يدافع فيها عن نفسه، أمام النعمان بن المنذر، ملك الحيرة. وقد انتقل النابغة الذبياني من مقدمته الطللية إلى موضوعه عند البيت الخامس الذي يقول فيه:
    نهضت إلى عذافرة صموتٍ / مذكرة تجل عن الكلالِ
    إن ما يسترعي الانتباه هو: أن النابغة الذبياني قد استطاع أن ينتقل من المقدمة الطللية إلى موضوع القصيدة دون شعور القارىء بهذا الانتقال، وهذا ما أطلق عليه فقهاء الأدب العربي حسن التخلص أو حسن الانتقال
    بقي أن أذكر أن المقدمة الطللية جرى عليها كثير من التطور والتغيير بعد العصر الجاهلي فمن الشعراء من استبدلها بمقدمة خمرية ومنهم من استغنى عنها ومنهم من ثار عليها ومنهم من تمسك بها وهذا ما سنتطرق إليه في الأجزاء الباقية من هذا البحث
    المقدمة الطللية في العصر الجاهلي
    لقد اعتاد الشاعر الجاهلي أن يبدأ قصيدته بالوقوف على أطلال الحبيبة، باكيا ذكراها، مخاطبا دمنة ذاك الطلل، واقفا مذهولا من تلك القوة التي قلبت ذاك الربع من مكان تدب فيه الحياة إلى قفر خالٍ إلا من بقايا رسم يشير إلى حياة كانت هنا واغتربت، وبعد هذا الوقوف الذي قد يقصر أو يطول في القصيدة، كان الشاعر ينطلق إلى مواضيع شتى في قصيدته. ولكنّ اللافت للانتباه هنا هو أن كثيراً من الدراسات وجدت ترابطا بين تلك المقدمة والمواضيع التي يتطرق إليها الشاعر بعدها، في إشارة منهم إلى وحدة الموضوع في القصيدة الجاهلية رغم تعدد لوحاتها، محاولين تسويغ ذلك بقولهم: إنَّ الشاعر الجاهلي كان يستخدم الرمز ليعبر عما يريد.لقد استحوذت المقدمة الطللية على قسطٍ وفيرٍ عند الباحثين، فهناك كثير من الدراسات رسخت جل بحثها في ذلك الموضوع، محاولة فهم ذلك السر الخفي وراء هذا الوقوف، لقد سوغت د.مي خليف وقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال قائلةً: "وهنا تتعدد ملامح الصورة في منطقة العزاء، عزاء النفس عن آلام الواقع وضغوطه، ولكنها قد تتغاير أيضا أمام رموز البين، التي تبدو رهناً بذلك الماضي، مما أتعس الشاعر، حين يتذكر لحظة فراق قضت عليه بها الأيام، فبدا إزاءها كئيبا عاجزا مستسلما، لا يسعده تذكرها، بقدر ما يجلب له -ذلك التذكر- المزيد من التعاسة والشقاء، مع مزيد من الإحساس بوقع الاغتراب إزاء ذلك الماضي، كما اغترب هو نفسه تجاه حاضره، وكأنه لم يبق له من زمنه شيء على وجه الإطلاق. ويسود هذا الموقف لدى شعراء المعلقات بدءاً من حوارهم حول عموم الدهر، كأن يعرض له الشاعر في إطار من التوجس والخوف، وكأنه يكنى عنه، خشية أن يتحدث عنه صراحة على طريقة النابغة الذبياني في معلقته حيث يقول:
    أمست خلاءً وأمسى أهلها احتملوا / أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ
    إذ يجعل البنية اللفظية ناطقة، كاشفة تعاسته؛ تعاسة الشاعر نفسه منذ توقفه عند المساء بالذات، وكأنه يستعين بمشهد الليل المظلم على ذلك، فالشاعر يكرر الفعل (أمسى)وأيضاً الفعل(أخنى) تعلقا في جانب منه بالديار، والجانب الآخر بأهلها، فالكل بدا في موضع المفعولية، وفي سبيله إلى التخاذل؛ ليسند الفعل إلى الدهر الذي جاء على كل شيء فأفسده، وأنذر بفنائه، وكأنه-أي الشاعر- يجعل هذه عادة الدهر التي لا يغادرها. "( ) . وإذا ما تعمقنا بالتراث قليلا نجد تفسيرا للمقدمة الطللية عند ابن قتيبة يقول:"وسمعتُ بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به الأسماع إليه، لأن التشبيب قريب من النفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضارباً فيه بسهم، حلالٍ أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحل الهجير وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأً في المديح، فبعثه على المكافأة.".( ) ورغم أنَّ ابن قتيبة قد فسر الظاهرة تفسيرا دقيقا ومقنعا إلا أن هذا التفسير لم يرق لدعاة الحداثة، فمنهم من قال:" ويقيم د.عز الدين إسماعيل تفسيره لهذه الظاهرة (الوقوف على الطلل) كمقابل للتفسير الخارجي لابن قتيبة ومن لفّ لفّه، فهي ممثلة عنده لارتداد الشاعر إلى ذاته وخلوه إليها وهي - في حقيقتها- تعبِّر عن موقفه من الحياة والكون؛ إذ تدل على نوع من القلق العميق إزاء غوامض الوجود المليء بالمتناقضات واللاتناهي والفناء") (. وإذا تتبعنا هذا القول للدكتور إسماعيل النعيمي:" وهناك من وضع (نظرية في الطللية) يتعذر كما يقول صاحبها تفسير الظاهرة الطللية كحالة فردية تخص هذا العضو أو ذاك في المجتمع، بل علينا فهمها بوصفها نبشاً لمكنون الجماعة وللمخزون المجتمعي والتاريخي، ووفقا لهذه النظرة، فإنه يرى الموقف الطللي أشبه بطقس ديني يتكرر باستمرار،...، فضلا عن إرجاعه بواعث الطللية إلى ثلاثة عوامل هي: القمع الجنسي وقحل الطبيعة والانهدام الحضاري"( ). والدكتور النعيمي يبين لنا بصراحة مقصده عندما يقول:" يبدو أن أراء القدامى ومنهم الجاحظ وابن قتيبة وابن رشيق الذائعة الصيت المتفاوتة في رصدها للمنهج الفني التقليدي الموروث في القصيدة الجاهلية، لم تكن تروي ظمأ الباحثين المعاصرين".( ) والسؤال هنا لماذا؟ إن المنهج العلمي في البحث يحتم علينا أن نثبت صحة النظرية أو عدم صحتها، قبل أن نأتي بنظرية جديدة في الموضوع نفسه، فأما أن نتجاوز نظرية القدماء بهذه الطريقة دونما إثبات صحتها أو عدمه، ثم نأتي بنظرية جديدة، وكأن النظرية الأولى لم تكن موجودة، ودون محاولة نقضها أو إثبات صحتها فهذا برأيي الخطأ بعينه، هذا إذا أراد الباحث أن تكون نظريته مما تجذب الآخرين للأخذ بها، أما إذا أراد الباحث أن يحاول أخذ النظريات من الآداب الأخرى ليطبقها على أدبنا دون وجه حق، وفقط لأنها غربية، فإنني أعتقد أن أدبنا العربي لا يقبل إلا ما هو طاهر ونقي هذا أولاً، أما ما أود الإشارة إليه حقاً هو: أن علماءنا القدماء لم يكونوا بهذه السذاجة التي جعلتهم لا يصلون إلى ما وصل إليه هؤلاء الباحثون. وإذا ما ربطنا نتائجهم بما جاءت به النظريات الغربية فسنصل حتماً إلى ظاهرة الغزو الثقافي التي نتعرض لها اليوم، فهذا فالتر براون يقول:" إن غرض الشعراء الحقيقي من الوقوف على الأطلال لم يكن بقصد رثائها أو تسجيل الحنين إلى المودة التي انقطعت والمحبوبة التي رحلت، لكن غرض هؤلاء الشعراء أن يعبروا عن المشكلة الوجودية الكبرى، وهي: (القضاء والفناء والتناهي) وهو يرى أن هذا التفسير من شأنه أن يعلل ما نلاحظه في أشعارهم الغزلية من تناقض، يقيمه الشعراء أحياناً بين الحزن والفرح، واللذة والألم، والموت والحياة، والفناء والبقاء".( ) ولم يبين لنا هذا الباحث أين هو التناقض الذي يتحدث عنه ويبدو أن العديد من باحثينا كانوا يأخذون كل ما هو غربياً صوابا فقط لغربيته، وكل ما هو من تراثنا وعلمائنا القدماء يجب إعادة النظر فيه لكي نُلبس أدبنا ثوب الآداب الأخرى، فمن يربط بين الآراء السابقة يدرك أن التفسير النفسي مصدره فرويد وما تحدث عنه من الكبت والأنا والقمع الجنسي. فهل هذا ينطبق على شاعرنا الجاهلي؟ إذا ما علمنا أن الإنسان في ذلك الوقت كان لديه من الجواري والنساء والعديد من أشكال الزواج وبنات الرايات التي تتحدث عنها سائر كتب الأدب، ثم إن شعراءنا الأوائل كانوا يتكسبون بشعرهم ومعظمهم كان في حالة يحسد عليها من رغد العيش،بدءاً بامرئ القيس مروراً بطرفة وانتهاءً بالأعشى والنابغة.
    يتفق الباحث مع د.النعيمي عندما قال: "إن الطلل هو رمز للفناء والموت الذي كان هاجس الإنسان الأول" وأختلف معه حينما قال:"( ) ومن غير المجدي أن نفسر الذهاب والسير والرحيل بالمفهوم المادي، إنما المقصود بهذه المفردات الجانب المعنوي (أي الموت)". إذ لو طبقنا قوله على المقدمة الطللية في معلقة زهير حيث أن الظعائن والرحلة والمسير لم تكن تعني الموت، بل على العكس تماما عنت الحياة حيث انتهاء الرحلة. بعد كل هذا الذي سبق، أرى أنه لا يمكن لأي باحث أن يطبق نظريات من تراث شعوب ٍبعيدة كل البعد عن الأدب العربي، فالأدب الغربي عندما وصل لهذه النظريات كان له ما يبرره حيث انه اعتمد تراث الإغريق القائم على الأساطير ودمجها بالفلسفة، وبدأ بحوثه الحديثة بناءً على هذا الموروث، ومن المفيد هنا القول: إن الذي ترجم الأدب الإغريقي وحافظ عليه هم العرب، ولم يكتفوا بالترجمة طبعا بل أخذوا منه كل ما هو منطبق على أدبنا وأضافوا عليه، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من نظريات، ولا ننسى هنا أن الغرب أخذ الأساطير الإغريقية عن العرب في عصر نهضته وترجمها، وهذا يعني أن تفسيراتهم هذه قد عرفها علماؤنا الأوائل قبل الغرب ولم يأخذوا بها لعدم مطابقتها واقع أدبنا العربي.
    ونستنتج من كل ما سبق أن محاولات النظر إلى المقدمة الطللية من عيون فرويد أو فالتر براون أو من حاول التقريب ودراسة هذه المقدمة دراسة أسطورية قد وقع في الخطأ. وأرى أن تفسير ابن قتيبة هو الصواب بعينه مع عدم إغفال الوحدة الموضوعية في القصيدة الجاهلية، برغم تعدد لوحاتها، وهذا يعني أن الشاعر الجاهلي كان يرمز في شعره بطريقة فنية لها وقعها في أذن المتلقي، وهذا ما أراده ابن قتيبة، وهناك عدة أسباب تؤكد ذلك منها:
    1- أن معظم الشعراء الجاهليين كانوا يتكسبون بشعرهم ولم يكونوا يهدفون إلى ترسيخ مفهوم ديني معين، ولم يتطرقوا إلى المعتقدات إلا ما ندر.
    2- لم يكن الإنسان الجاهلي يدافع عن مبدأ ديني، أو فكرة أسطورية ما، ويحاول تدعيمها، ولم تكن هناك مدارس تحاول ترسيخ مفاهيمها، على حساب مدارس أخرى.
    3- ولد الشاعر الجاهلي في قبيلة تهتم بنسبها وقوتها وتتفاخر بذلك، وكان يذود عنها ويهجو من عاداها.
    4- أن طبيعة الحياة الجاهلية وواقعها وقسوتها جعلت من الشاعر الجاهلي في كثير من الأحيان مندهشا وضعيفا، وهذا الشعور لديه قد تحول شعراً، يصف هذا الواقع فكان خيال الشاعر مادياً، ولم يكن يبحث في أساطير القدماء ويحاول محاكاتها.
    5- وهناك دليل آخر لا يقل أهميةً هو: أن الإنسان الجاهلي بعامةٍ والشعراء بخاصة لم يندمجوا مع الأقوام الأخرى ولم يأخذوا عاداتهم ودياناتهم، حيث أن العربي حافظ على معتقداته أمام كل الأفكار والديانات التي كانت موجودة في بيئته؛ كاليهودية؛ والنصرانية، والمجوسية، وغيرها.
    6- أن ابن قتيبة قرن تفسيره بواقع الحياة الجاهلية؛ إذ كان هدف الشاعر من مديحه أن يؤثر في ممدوحه لكي يحصل على المكافأة، ولم يكن هدفه نشر ديانة أو فكر معين.
    7- لو كان الشاعر الجاهلي يقصد تفسيراً أسطورياً في مقدمته الطللية لما استمر شعراء المسلمين على نهج من سبقهم.
    8- أن ما يثبت أن الشاعر الجاهلي كان مادياً هو أن معظم النساء التي ذكرت في شعرهم، كانت معروفة لديهم ففاطمة امريء القيس كانت ابنة عمه وأُمامة عند النابغة كانت ابنته، وهريرة وقتيلة عند الأعشى كانتا جاريتين معروفتين.
    ولست بصدد تحليل هذه الدراسات أكثر من ذلك، لأنها لا تخدم بحثي؛ لذلك اكتفيت بهذا الحد في هذا الباب، راجيا أن أكون قد أعطيته حقه. وسأنتقل لدراسة بعض ملامح المقدمة الطللية في معلقتي زهير بن أبي سُلمى والنابغة الذبياني.
    أ- زهير بن أبي سلمى ت 13ق.ه )
    نبذة عن حياته:"هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على الشعراء كافة. قال ابن الأعرابي:كان لزهير من الشعر مالم يكن لغيره: كان أبوه شاعرا، وخاله شاعرا، وأخته الخنساء شاعرة. ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة ، وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد) واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها في سنة فكانت قصائده تسمى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته التي مطلعها : أمن أم أوفى دمنة لم تكلم / بحومانة الدراج فالمتثلم
    ويقال أن أبياته التي في آخرها تشبه كلام الأنبياء".( )
    المقدمة الطللية في معلقة زهير( ):
    أمـن أم أوفى دمنة لـم تكلم / بحـومــانـة الدراج فالمتثلمِ( )
    ديـارٌ لهـا بالرقمتين، كأنـها / مـراجِع وشمٍ في نواشر معصم
    بها العينُ والأرآم يمشين خِلفةً / وأطلاؤها يَنهضنَ مـن كلِ مجثمِ( )
    وقفتُ بها مـن بعد عشرين حجة / فلأياً عـرفتُ الدار بعد توهمِ
    أثافيَّ سُفعاً في معرس مرجلٍ / ونؤياً كجـذمِ الحوضِ لم يتثلمِ( )
    فلما عرفتُ الـدار قلت لربعها / ألا انعم صباحاً أيها الربـعُ واسلمِ
    تبصر خليلي هل ترى من ظعائنٍ / تحملنَّ بـالعلياءِ مـن فوق جرثمِ( )
    جعلنَّ القنان عن يمينٍ وحزنهِ / وكم بالقنان مـن محلٍ ومحرمِ( )
    وعالينَ أنمـاطــا عِتاقا وكِلةً / وِراد الحواشي لونها لون عندمِ( )
    ظهرنَّ من السوبانِ ثم جزعنهُ / على كـل قينيٍّ قشيبٍ ومُفأمِ( )
    ووركنَ في السوبانِ يعلونَ متنهُ / عـليهنَّ دلُّ الناعــم المتنعمِ
    كأن فتات العهنِ في كـل منزلٍ / نزلن بـه حبُّ الفنا لـم يُحطمِ
    بكرن بكورا واستحرنَ بسُحرةٍ / فهنَّ ووادي الـرَّسِ كاليد للفمِ
    فلما وردن المـاء زرقا جمامه / وضعن عصي الحاضر المتخيمِ
    وفيهنَّ مـلهى للطيف ومنظرٌ / أنيقٌ لعـين الناظـر المتوسمِ
    لقد كان الوقوف على الأطلال عادة مألوفة لدى شعراء العصر الجاهلي، فكل المعلقات قد حوت هذا النمط من المقدمات. والذي يتعمق في الشعر الجاهلي يجد أن معظم الشعر الذي وصلنا من ذلك العصر لا يخلو من مقدمة يكون موضوعها إما البكاء على الأطلال، وإما الحديث عن الخمرة أو مخاطبة المرأة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشعر العربي القديم كان لا يخلو من الرمز ويتميز بعدم المباشرة في الموضوع. إن ما نستنتجه من هذا أن استخدام الرمز قديم قدم الشعر، ويمكن للباحث أن يستدل على ذلك من معظم الشعر الجاهلي، فلو أخذنا بيتا من شعر زهير مثلا وليكن هذا البيت:
    فلما وردن الماء زرقا جمامه / وضعن عصي الحاضر المتخيّم
    إذ ليس من المعقول أن يكون زهير قد وقف على الأطلال وشاهد تلك الحسناوات بل وشاركهن مسيرتهن حتى وصلن الماء النقي الصافي وخيمن هناك، فالشاعر هنا استخدم الرمز ليدل على حالة الاستقرار والطمأنينة بعد مسيرة من المشاق والمخاطرة التي قطعنها تلك الحسناوات، لا سيما إذا ما عرفنا أن موضوع القصيدة هو: مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف، اللذين تكفلا ديات قتلى حرب داحس والغبراء. لقد رمز زهير إلى المشاق التي تكبدتها الحسناوات في رحلتهن إلى الحرب، ورمز للوصول إلى المبتغى، وهو الماء الصافي والاستقرار عنده، إلى حالة السلم الذي سيأتي بعد الصلح .
    لقد كانت الصورة الفنية التي رسمها الشاعر الجاهلي صورة متحركة في قصيدة حروفها ساكنة، إنَّ من يقرأ مقدمة زهير الطللية يجد أنها تتحرك موازية تحرُكَ هرم بن سنان والحارث بن عوف، ولكن بصورة ابتدعها الشاعر بطريقة غير مباشرة، فهو بحق يستحق أن يكون حكيم الشعراء لحكمته وحسن إبداعه ونسجه .
    ب- النابغة الذبياني ت 18ق.ه )
    نبذة عن حياته:"هو زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الرَّيث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان" .( )
    وفي الموسوعة الشعرية:"شاعر جاهلي من الطبقة الأولى من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء، فتعرض عليه أشعارها،وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة. كان حظيَّا عند النعمان بن المنذر حتى شبب في قصيدة له بالمتجردة(زوجة النعمان)فغضب النعمان، ففر النابغة ووفد على الغسانيين بالشام،وغاب زمنا. ثم رضي عنه النعمان فعاد إليه. شعره كثير، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تكلف في شعره ولا حشو.عاش عمرا طويلا" .( )
    المقدمة الطللية في معلقة النابغة( ):
    يـا دار ميَّةَ بـالعلياءِ فـالسَّندِ / أقـوت وطـال عليها سالـف الأبد( )
    وقفتُ بهـا أصيلاً كي أُسائلها / عَيَّت جوابا ومـا بالربع من أحدِ
    إلَّا أواريَّ لأيـا مــا أُبينهـا / والنؤي كالحوضِ بالمظلومةِ الجلدِ( )
    ردت عـليه أقـاصـيـه ولـبَّده / ضرب الوليدة بالمسحاةِ في الثأدِ( )
    خَلَّت سبيل أتيٍ كــان يحبسه / ورفَّعته إلى الِّسجفينِ فــالنَّضدِ( )
    أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا / أخنى عـليها الذي أخنى على لُبد( )
    فَعدِ عمَّا ترى إذ لا ارتجاع له / وانمِ القتود عـلى عيرانةٍ أُجُـدِ
    قال النابغة الذبياني هذه القصيدة يمدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة ومعتذرا له مما وشى عليه بنو قريع في أمر المتجردة (زوجة النعمان) ولكنه لم يبدأ بمديحه وتعذره إلا بعد أن وقف على طلل ميَّة. ومن طريف القول أن النابغة في آخر بيت في مقدمته الطللية الذي يقول فيه:
    فعدِ عما ترى إذ لا ارتجاع له / وانمِ القتود على عيرانةٍ أُجدِ
    فكأن أبا أمامة ينهى نفسه عن الاستمرار في الوقوف طويلا ويحثها على ركوب الناقة للسفر إلى النعمان، فهذا الوقوف لا يجدي نفعاً. وكأن هذا المعنى قد شابه معنى بيت لأبي نواس لولا أن أبا نواس كان ساخرا في بيته الذي يقول فيه:
    قل لمن يبكي على رسم درس / واقفا ما ضرَّ لو كان جلس
    تشابه مقصد الشاعرين في المعنى وهو العزوف عن البكاء على الطلل ولكن الأسلوب اختلف فيما بينهما؛ فأبو نواس يسخر من الوقوف على الطلل بطريقة زاجرة، والنابغة يدعو نفسه بعد أن وقف، إلى العزوف عن الوقوف، والذهاب إلى النعمان بن المنذر.




    ثانياً: تأثير الشعوبية في المقدمة الطللية
    الشعوبية: هي نزعة قومية فارسية، تتفاخر بالفرس وتراثهم وتاريخهم، وتزدري العرب وحياتهم وثقافتهم وتاريخهم. نشأت في العصر العباسي الأول، وكان على رأسها شعراء من عظماء شعراء ذلك العصر.
    وصفت الشعوبية بتطرفها، ومحاربتها فكرياً لكل ما هو عربي. "برز الشاعر إسماعيل بن يسار كأحد قادتها في بداية ظهورها، وقد روي عنه قوله:
    رُبَّ خـالٍ مُتوَّجٍ لي وعـمٍّ / مـاجـدٍ مجتدٍ كـريم النصابِ
    إنـَّما سُمـيَّ الفوارس بالفر / سِ مـُضاهـاة رِفعةِ الأنسابِ
    فاتركي الفخر يا أُمام علينا / واتركي الجور وانطقي بالصوابِ
    واسألي إن جهلتِ عنا وعنكم / كيف كنا في سالف الأحقاب
    إذ نـُربـي بناتنا وتـدسو / ن سِفاهاً بناتكم في الترابِ
    فقال رَجلٌ من آل كُثير بن الصلت: إن حاجتنا لبناتنا غير حاجتكم، فأفحمه. يريد أن العجم يربون بناتهم لينكحوهن، والعرب لا تفعل ذلك".( ) هذا الحوار إن دل فإنما يدل على مدى التعصب الذي المَّ بالطرفين، فجعل العربي يدافع عن الوأد أمام الفارسي، ونسي الدين الذي نهى عن تلك العادة.
    "وأهم شاعر أوقد نيران هذه الخصومة (بين العرب والفرس) وظل يمدها بحطب جزل من شعره هو بشار بن برد"0( ) فها هو يقول:
    هل من رسولٍ مُخبرٍ / عني جميع الـعَربِ
    مـن كان حياً منهمُ / ومن ثوى في الُتُربِ
    بــأنني ذو حَسبٍ / عالٍ على ذي الحَسَبِ
    جدي الذي أسمو به / كسرى وساسان أبي
    وقيصرٌ خـالي إذا / عددتُ يـوماً نَسبي
    إنَّـا ملوكٌ لم نزلْ / في سالِفات الحقبِ
    وهذا أبو تمام يقول لمن يبغض العرب:
    أتبغض جوهر العرب المُصفى / ولم يبغضهمُ مولى صريحُ
    ومـالـك حيلةٌ فيهم فتُجدي / عليك بلى تموتُ فتستريحُ
    لقد وصل الصراع الفكري أوجه عندما بلغ حد الشتم، بل ومقاطعة الأطعمة "وكانت زمزم زمن جرهم، وهو أول من ثرد الثريد بعد إبراهيم عليه السلام - وعاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد- قال: فأرادت العرب ألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه، قال: وليس من طعام العجم. قال حصين لفيروز: أحب أن أتغذى عندك، قال فيروز: فما تشتهي؟ قال ثريداً، قال إني أكره أن أضع على مائدتي طعام الكلاب ولكني أتحمل ذلك لك".( )
    ويعلل ضيف شعوبية أبي نواس قائلاً:" أنها ترجع إلى شغفه بالخمر وعكوفه على المجون، وإعجابه بالحضارات الأجنبية، فهي شعوبية ناشئة عن الاستمتاع بالملذات، وكان يبتغيها ما وجد إليها سبيلا، ويجعلها غاية الغايات من حياته. وقد مضى يصور ذلك بدعوته إلى الانصراف عن الحياة المتبدية الخشنة وما يتصل بها من بكاء الأطلال والوقوف برسوم الديار إلى الحياة الناعمة المترفة، وما يتصل بها من النشوة بالخمر والغلو بالشراب والإغراق في اللذات، وله في ذلك أشعار كثيرة. وينبغي أن نعرف أن الروح العربية على الرغم من الشعوبية ظلت شامخة مسيطرة يسندها الخلفاء وزعماء العرب ،من الولاة والقواد ومستشاري الدولة والفقهاء والمحدثين وعلماء اللغة، ورواة الشعر".( )
    نستنتج من كل ما سبق أن الشعوبية بتطرفها حاولت محاربة العرب بكل شيء، فلا غرابة أن يحارب الشعوبيون الوقوف على الأطلال، لا لشيء فقط لأنه عادة عربية قديمة. وما من شك أن الشعوبية أوجدت البديل للوقوف على الأطلال، وهو المقدمة الخمرية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل المقدمة الخمرية مناسبة لكي تحل محل المقدمة الطللية في ذلك العصر؟ والصراحة أنها تبدو كذلك، إلا في حالات ، وللإجابة عن السؤال السابق علينا أن ندرس الحياة العباسية بجوانبها المختلفة. فلقد نقل التاريخ عن العصر العباسي كثيراً، حيث وصل التقدم العلمي والحضاري والمدنية والعمران أوجه في تلك الحقبة، فكان الترف والمجون والغناء واللهو، وكان رغد العيش والقصور والجواري، وحسبنا أن نصف من يبذر أمواله في غير حق بأنه يتبغدد نسبة إلى بغداد الرشيد، ومن يتتبع المزيج الحضاري، الذي وُلد من رحم اندماج الثقافات كافة في الثقافة العربية والذي أطلق عليه الباحثون اسم التزاوج الحضاري. من كل هذا نجد أن التغيُّر الذي حدث قد حدث في سائر مناحي الحياة، ولم يعد الشاعر العباسي يتذكر الأطلال والرسوم، فحياة الاستقرار والتمدن قد وقفت سداً منيعاً أمام رياح الشمال والجنوب التي كانت تعفي الطلول، ومنعت البدوي من الرحيل بحثاً عن الكلأ والماء، والحرية الفكرية ورغد العيش قد جعلا الشاعر يذهب إلى الملاهي ويتغنى بالخمرة، ويتغزل بالجواري والغانيات .
    ولأننا نجد في الطبيعة دائما الشيء ونقيضه، فقد وجدنا في هذا العصر من يمتنع عن المقدمة الخمرية تدينا وزهداً كأبي العتاهية مثلاً. ووجدنا كذلك من يبتدىء بالمقدمة الجاهلية تقليداً للتراث وإحياءً له، وربما في أحيان أخرى ليبدو متميزاً عن غيره. أو كردة فعل ضد الشعوبية.
    إن المتتبع للشعر العباسي يجد أن الشاعر العباسي قد ابتدأ شعره بعدة أشكال منها: المقدمة الطللية، والمقدمة الخمرية - وهذا يثبته ما تقدم من شعر أبي نواس وشعر ابن المعتز- وابتدأ بعض الشعراء بالحكمة كالمتنبي عندما قال في مطلع إحدى قصائده:
    الرأي قبل شجاعة الشجعان / هو أول وهي المِحل الثاني
    لقد تأثر الشاعر العباسي بعصره وما فيه من تمدن وحضارة فابتدع العديد من الأمور التي وسمت الشعر العباسي بصفاتٍ غيرته عن ما سبقه ومنها: إكثاره من استخدام المحسنات البديعية والزخارف اللفظية فزيَّن بها شعره، وتعمق في التشابيه وألوانها الخلابة، وسار وراءها حتى تكلف في ذلك. فهذا أبو تمام لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وتكلف بها البديع بشتى أنواعه وشاهد ذلك قوله:
    وأغن من دُعج الظِباء مُرَبَّبٌ / بُدِّلنَ منهُ أغنُ غير مُربَّبِ
    قـالـت وقـد أعـلقتُ كفي كفَّها / حِلاً ومـا كل الحلالِ بطيِّب
    فنعمتُ من شمسٍ إذا حُجبت بدت / مـن نورها فكأنها لم تُحجبِ
    إنسيَّةٌ إن حُـصِّـلـت أنسابـها / جِنيَّة الأبوينِ مـا لم تُنسَبِ
    إذن لم تكن الشعوبية لتنتصر على المقدمة الطللية لولا أن التغير الحضاري والتمدن والرقي والازدهار الذي كان في ذلك العصر ساعدها على ذلك، ومن المؤكد هنا القول أن العربي، هو أول من بدأ التغير قبل الشعوبي في تلك الحقبة وقبلها؛ فالشعراء الأمويون كثيراً ما تغنوا بالخمرة في بداية قصائدهم، وهذا ما يثبت حديثنا.
    لقد أثرت الشعوبية على الشعر العباسي من حيث المبالغة بالمجون واللهو، وابتدعت التغزل بالغلمان الذي لم يعرفه العرب من قبل في شعرهم. كذلك كان الصراع بين الحضارة الفارسية القديمة والعربية قد نمَّى شعر القومية بين الطرفين ( العربي والفارسي) فكان الكل ينتصر لقوميته وتاريخه وتراثه، سواء كانت وسيلته الشعر أم النثر.( )
    إن ما يثبت أن الشعوبية كان تأثيرها ضعيفاً في التغيُّر الذي حدث على المقدمة الطللية هو أن الحضارة الأندلسية واكبت العصر العباسي، ولم تظهر عندهم الشعوبية، وبالرغم من ذلك انتشر اللهو والمجون والتغزل بالغلمان ، وهذا إن دل على شيءٍ فإنما يدل على أن هذه الصفات هي نتاج الحضارة ورغد العيش، والاستقرار ورفاهية المجتمع، والتي لا تدرك إلا بالتحرر والانفتاح، وقبول الرأي الآخر والتعدد، وعدم الانغلاق، وهذا ما حدث فعلاً في المجتمعين العباسي الأندلسي، حتى وصل بهم الأمر إلى تحرير المرأة، فكانت الطبقة الأرستقراطية متحررة إلى أبعد الحدود، فهذه ولادة بنت الخليفة المستكفي بالله تطرز على ثوبها بيتين من الشعر فيهما قمة المجون دون وجل فتقول) (:
    أنـا واللهِ أصلح للمعالي / وأمشي مشيتي واتيه تيها
    أُمكِّنُ عاشقي من صحنِ خدي / وأهدي قبلتي من يشتهيها
    أ- أبو نواس 146 -198 ه)
    نبذة عن حياته( ):"الحسن ابن هانيء بن عبد الأول صباح الحكمي بالولاء. شاعر العراق في عصره. ولد في الأهواز من بلاد خوزستان ونشأ بالبصرة، ورحل إلى بغداد فاتصل فيها بالخلفاء من بني العباس، ومدح بعضهم، وخرج إلى دمشق ومنها إلى مصر، فمدح أميرها، وعاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي فيها.
    كان جده مولى للجراح بن عبد الله الحكمي، أمير خوزستان، فنُسب إليه. وفي تاريخ ابن عساكر أن أباه من أهل دمشق وفي تاريخ بغداد، أنه من طيء من بني سعد العشيرة
    هو أول من نهج للشعر طريقته الحضرية وأخرجه من اللهجة البدوية. وقد نظم في جميع أغراض الشعر، وأجود شعره خمرياته".
    لقد اختلف الباحثون في نسبِ أبي نواس حيث أورد د.شوقي ضيف أن:" بعض المعاصرين يظن أن أبا أبي نواس من الشام بينما ذهب بعض الأقدمين إلى أنه عربي وتمادوا فصنعوا له نسبا في بني سعد العشيرة ،والصحيح انه كان مولى فارسيا من موالي الجراح بن عبد الله الحكمي والي خرسان لعهد عمر بن عبد العزيز، ويظهر أنه انتظم في جند الخلافة،وقد نزل مع فريق منهم بالأهواز في عهد مروان بن محمد سنة: (127-131 ه)". ( )
    والباحث مع د.شوقي ضيف في هذا الرأي إذ ليس من المعقول أن يكون أبو نواس عربيا، ويكون شعوبيا، والذي يقرأ شعر أبي نواس يجد أنه يزدري العرب وحياتهم بل ويفضل عليهم الفرس
    من قصيدة أبي نواس) (:
    عـاج الشقي عـلى دارٍ يُسائلها / وعُجـتُ أسأل عـن خمارةِ البلدِ
    لا يرقئ الله عيني من بكى حجراً / ولا شفى وجد من يصبو إلى وتدِ
    قالوا ذكرت ديار الحي مـن أسد

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 12:03 am